الشنقيطي
243
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فالدنيا تأنيث الأدنى أي السماء الموالية للأرض ، ومفهومه أن بقية السماوات ليست فيها مصابيح التي هي النجوم والكواكب كما قال : بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) [ الصافات : 6 ] ويدل لهذا المفهوم ما جاء به عن قتادة : أن اللّه جعل النجوم لثلاثة أمور . أمران هنا ، وهما زينة السماء الدنيا ورجوما للشياطين . والثالثة علامات واهتداء في البر والبحر ، وهذه الأمور الثلاثة تتعلق بالسماء الدنيا . لأن الشياطين لا تنفذ إلى السماوات الأخرى لأنها أجرام محفوظة ، كما في حديث الإسراء « لها أبواب وتطرق ولا يدخل منها إلا بإذن » . وكقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [ الأعراف : 40 ] . وكذلك ليس هناك من يحتاج إلى اهتداء بها في سيره لأن الملائكة كل في وضعه الذي أوجده اللّه عليه ، ولأن الزينة لن ترى لوجود جرم السماء الدنيا ، فثبت أن النجوم خاصة بالسماء الدنيا . وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [ الصافات : 6 - 7 ] . ومفهوم الدنيا عدم وجودها فيما بعدها ، ولا وجود للشيطان في غير السماء الدنيا . وقوله تعالى : وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ، وهي الشهب من النار ، والشهب النار ، كما في قوله : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ النمل : 7 ] ، والرجوم والشهب هي التي ترمي بها الشياطين عند استراق السمع ، كما في قوله تعالى : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [ الجن : 9 ] . وقوله : إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [ الصافات : 10 ] . وهنا سؤال ، وهو إذا كان الجن من نار ، كما في قوله : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ [ الرحمن : 15 ] ، فكيف تحرقه النار ؟ فأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : إن النار يكون بعضها أقوى من بعض ، فالأقوى يؤثر على الأضعف ، ومما يشهد لما ذهب إليه قوله تعالى بعده وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ والسعير : أشد النار .